2012-03-02

الإصدارات العربية الموجهة للأطفال.. غياب للخيال الأدبي والأسلوب الرشيق والصورة الجاذبة

السبئي نت- اللاذقية-سانا
يدرك المتابع للإصدارات الأدبية الموجهة للاطفال وخاصة خلال السنوات الأخيرة أن هذا النتاج بات على درجة من التنوع والتعدد بحيث لم يعد بالإمكان تقييم المادة الأدبية التي تقدمها الكتب المختلفة سواء فيما يخص الإمكانات الموضوعية المطروحة وقدرة الموضوعات على محاكاة عقل الطفل وحواسه أو فيما يتصل بمقاربة هذه الأعمال و بحث قدرتها على ملامسة الواقع الوجداني والمعيشي في البيئات الاجتماعية كافة.
وفي هذا السياق تؤكد الدكتورة أحلام حلوم أستاذة النقد الأدبي في قسم اللغة العربية في جامعة تشرين أن الخيال الأدبي كان السمة الأكثر وضوحا وانتشارا بين النتاجات الإبداعية الخاصة بالطفل على المستوى العالمي لا العربي و هي مؤلفات استطاعت اختراق البنية النفسية الدقيقة له ومحاكاة عوالمه الداخلية.
وترى الدكتورة حلوم ان القصص الأدبية في هذا الجانب تبنت صورة البطل الحامل لمجموعة المعاني النبيلة و القيم الإنسانية العليا من خلال سرديات اعتمدت في أسلوبها الأدبي على الحلم كسمة أساسية في حين تخلفت العديد من الكتب العربية الموجهة للطفل عن الوصول إلى هذه الغاية المرجوة من ورائه ما جعل من الإصدارات العالمية المترجمة إلى العربية أكثر شيوعا في أوساط القراء.
وارجعت استاذة النقد الادبي هذا الامر الى الأسلوب الخيالي البسيط الذي تقدمه الكتب والذي يجسد الحلم الطفولي المتشابه في كل زمان ومكان رغم اختلاف الأرض واللغة والعرق فمن المعروف ان قصصا عالمية مثل أليس في بلاد العجائب وعازف المزمار وسندريلا والدمية المتحركة وعقلة الأصبع والقطة المسحورة وذات القبعة الحمراء والفتى الطائر وسواها هي كتب بقيت راسخة في ذاكرة الأطفال على مدى عقود من الزمن بحيث لم تستطع القصة العربية أن تطول المستويات الإبداعية لأي من هذه الحكايا إلا في نطاق محدود.
كذلك تمتد تجليات هذا الأسلوب من وجهة نظر الدكتورة حلوم إلى الدراما المترجمة والبرامج الكرتونية المخصصة للطفل والتي استطاعت عن طريق اللون والصورة أن تقارب العالم الطفولي المتخيل بذات القدرة والجمالية وهو الأمر الذي سجل الاختلاف الأهم بين النتاجين العربي والأجنبي في هذا الجانب.
وتابعت حلوم.. إن الكتابة للطفل تحتاج إلى مبدع قادر على الحلم أولا ومن ثم ترجمة هذه الملكة على شكل تداع حر بعيد عن التعقيد وإن كان مكثفا بالرمز أحيانا حيث يبرز هنا دور الصورة في تفكيك هذا الرمز ونقله بيسر إلى الطفل لتبدأ لاحقا عملية تراسل الحواس والتقاط ما يمكن من أفكار في ذهن المتلقي والذي يقوم بدوره بحفظه في الذاكرة إلى أمد اطول.
وقد يكون الشعر كما ترى استاذة النقد الادبي اكثر الأجناس الإبداعية قدرة على تحقيق الجانب التخيلي المكثف لدى الطفل فالموسيقا الشعرية تستطيع التأثير بصورة عميقة في وجدان الإنسان منذ طفولته ذلك أن إيقاع الحياة لديه يبدأ بالصوت "الصرخة" وهي أولى الحواس التي تمكنه من التواصل مع الكون من حوله.
واعتبرت الدكتور حلوم ان كتاب الاطفال تقع على عاتقهم اليوم مسؤوليات جسام لجهة تكوين الطفل نفسيا وعلميا ما يتطلب استنهاض الخيال بصورة ملحة و تحقيق حلم أدبي يحمل سمات الهوية العربية وفي مقدمتها اللغة و ذلك من خلال أسلوب بسيط وعذب يثري الطفولة وينهض بها.
حول الموضوع ذاته يرى الأديب محمد وحيد علي المتخصص في أدب الطفل أن معظم ما يقدم للطفل في الكتب العربية أقل بكثير من الطموح فغالبية الاصدارات المعنية تفتقد المعايير الأساسية لهذا النوع من الأدب و يعزى هذا التراجع في نوعية النتاج إلى أسباب عدة أهمها أن عددا كبيرا من الأدباء الذين يتصدون لهذه الكتابة الإبداعية هم كتاب تنقصهم الخبرة والأهلية.
وأضاف علي .. إن الكتابة للطفل تحتاج إلى أديب يمتلك أولا روح مرحة إلى جانب ثقافة متنوعة وغنية و خبرات حياتية متراكمة تحيط بعالم الموجه اليه وتدرك كافة جوانبه اضافة إلى الإحاطة بكافة العلوم الحديثة المرتبطة بسلوكياته وطريقة تفكيره وتطور وعيه وإدراكه بما فيها علوم التربية وعلم نفس الطفل.
ولفت الاديب علي إلى أن النص الأدبي المعني بالطفل يتطلب معايير كتابة دقيقة ومنها اختيار خطاب مشوق وبسيط يتمتع بتأثير إيحائي أكثر منه وعظا مباشرا بحيث يتمكن الطفل من تذوق روح النص الادبي واستلهام العبر منه دون قسر أو إرغام.
ومن شروط هذا النص أيضا بحسب الاديب علي التلقائية والبساطة والإيقاع السلس المنوع إلى جانب الابتعاد عن الأفكار الفلسفية المعقدة والقضايا الكبرى التي تحمل الطفل ما يزيد على قدرته ومراعاة المرحلة العمرية التي يتوجه إليها كل نص على حدة.
ويرى الاديب علي ان الكتابة الحقيقية وفقا للتخصص في ادب الطفل لابد ان تركز على منظومة القيم الأخلاقية والحياتية التي تساعد الطفل على التفاعل البناء مع محيطه وتكوين شخصية قادرة على تحمل مسؤولياتها المستقبلية ومواجهة الحياة بروح مفعمة بالمحبة والتآلف والعمل الجماعي داعيا الى نبذ القوالب الجامدة والاعتناء بالإخراج الفني الجميل لكتب الأطفال لحثهم على مزيد من المطالعة والقراءة.
كما ان هذا النوع من الثقافة من وجهة نظره يتطلب تضافر العديد من الجهود التي يبدؤها كاتب يمتلك مشروعه الخاص سواء على صعيد الكتابة الشعرية أو القصصية أو المسرحية و من ثم تلتقي هذه الجهود بسعي الجهات المعنية بأدب الأطفال لتشكل مجتمعة مشروعا متكاملا.
أما الناقد الأدبي فواز الآغا فعزا تراجع إقبال الطفل على القراءة بنسب مخيفة الى نوعية النتاج المقدم له والذي يفتقد للاثارة التي تشده الى القصة الامر الذي يفسر استمرار اقبال الاطفال من فئات عمرية مختلفة على الكتاب الأدبي المترجم.
واكد الآغا أن الكتاب المترجم عموما يعنى بشكل أساسي بالخيال الأدبي وهو ما يتناسب والتركيبة الذهنية للطفل التي تشجع على محاولة اكتشاف الغامض والمجهول بالنسبة اليه ناهيك عن الأسلوب الرشيق في الكتابة والابتعاد عن الارشاد و اللغة الخطابية.
ويرى الفنان أكثم عيسى أن الرسومات الواردة في العديد من كتب الأطفال تفتقد الى التقنية الصحيحة ما يجعل الأمر يبدو للوهلة الأولى وكأنه محاولة لتزيين الكتاب بالألوان لا أكثر في حين أن الصورة الملونة أو المرسومة تشكل قيمة إبداعية حقيقية لا تقل أهمية عن النص المكتوب.
ويضيف ..لابد من مضاعفة الاهتمام بالناحية الإخراجية لكتاب الطفل العربي بما يرتقي الى الكتب الأجنبية التي طالما رسخت في مخيلته وذاكرته حتى اني أصادف الكثير من الأهالي الذين يسرون لي بأنهم يهرعون لقراءة قصص ماقبل النوم لأطفالهم في سبيل تحقيق متعة ذاتية واستحضارا لعوالم خيالية.
تقرير: رنا رفعت

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الإخوة / متصفحي موقع السبئي نت المحترمون
نحيطكم علماُ بان اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره.
مع تحيات "ادارة الموقع"