2011-02-15

إذا الشّعْبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَـاةَ


إذا الشّعْبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَـاةَ 
إذا الشّعْبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَـاةَ *** فَلا بُدَّ أنْ يَسْتَجِيبَ القَـدَر

وَلا بُـدَّ لِلَّيـْلِ أنْ يَنْجَلِــي ***وَلا بُدَّ للقَيْدِ أَنْ يَـنْكَسِـر

وَمَنْ لَمْ يُعَانِقْهُ شَوْقُ الْحَيَـاةِ *** تَبَخَّـرَ في جَوِّهَـا وَانْدَثَـر

فَوَيْلٌ لِمَنْ لَمْ تَشُقْـهُ الْحَيَاةُ *** مِنْ صَفْعَـةِ العَـدَم المُنْتَصِر

كَذلِكَ قَالَـتْ لِـيَ الكَائِنَاتُ *** وَحَدّثَنـي رُوحُـهَا المُسْتَتِر

وَدَمدَمَتِ الرِّيحُ بَيْنَ الفِجَاجِ *** وَفَوْقَ الجِبَال وَتَحْتَ الشَّجَر



إذَا مَا طَمَحْـتُ إلِـى غَـايَةٍ *** رَكِبْتُ الْمُنَى وَنَسِيتُ الحَذَر

وَلَمْ أَتَجَنَّبْ وُعُـورَ الشِّعَـابِ *** وَلا كُبَّـةَ اللَّهَـبِ المُسْتَعِـر

وَمَنْ لا يُحِبّ صُعُودَ الجِبَـالِ *** يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ بَيْنَ الحُفَـر

فَعَجَّتْ بِقَلْبِي دِمَاءُ الشَّبَـابِ *** وَضَجَّتْ بِصَدْرِي رِيَاحٌ أُخَر

وَأَطْرَقْتُ ، أُصْغِي لِقَصْفِ الرُّعُودِ *** وَعَزْفِ الرِّيَاح وَوَقْعِ المَطَـر



وَقَالَتْ لِيَ الأَرْضُ - لَمَّا سَأَلْتُ : *** " أَيَـا أُمُّ هَلْ تَكْرَهِينَ البَشَر؟"

"
أُبَارِكُ في النَّاسِ أَهْلَ الطُّمُوحِ *** وَمَنْ يَسْتَلِـذُّ رُكُوبَ الخَطَـر

وأَلْعَنُ مَنْ لا يُمَاشِي الزَّمَـانَ *** وَيَقْنَعُ بِالعَيْـشِ عَيْشِ الحَجَر

هُوَ الكَوْنُ حَيٌّ ، يُحِـبُّ الحَيَاةَ *** وَيَحْتَقِرُ الْمَيْتَ مَهْمَا كَـبُر



فَلا الأُفْقُ يَحْضُنُ مَيْتَ الطُّيُورِ *** وَلا النَّحْلُ يَلْثِمُ مَيْتَ الزَّهَــر

وَلَـوْلا أُمُومَةُ قَلْبِي الرَّؤُوم ***لَمَا ضَمَّتِ المَيْتَ تِلْكَ الحُفَـر



فَوَيْلٌ لِمَنْ لَمْ تَشُقْـهُ الحَيَـاةُ *** مِنْ لَعْنَةِ العَـدَمِ المُنْتَصِـر!"

وفي لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الخَرِيفِ *** مُثَقَّلَـةٍ بِالأََسَـى وَالضَّجَـر



سَكِرْتُ بِهَا مِنْ ضِياءِ النُّجُومِ *** وَغَنَّيْتُ لِلْحُزْنِ حَتَّى سَكِـر



سَأَلْتُ الدُّجَى: هَلْ تُعِيدُ الْحَيَاةُ *** لِمَا أَذْبَلَتْـهُ رَبِيعَ العُمُـر؟



فَلَمْ تَتَكَلَّمْ شِفَـاهُ الظَّلامِ ***وَلَمْ تَتَرَنَّـمْ عَذَارَى السَّحَر



وَقَالَ لِيَ الْغَـابُ في رِقَّـةٍ *** مُحَبَّبـَةٍ مِثْلَ خَفْـقِ الْوَتَـر

يَجِيءُ الشِّتَاءُ ، شِتَاءُ الضَّبَابِ *** شِتَاءُ الثُّلُوجِ ، شِتَاءُ الْمَطَـر

فَيَنْطَفِىء السِّحْرُ ، سِحْرُ الغُصُونِ *** وَسِحْرُ الزُّهُورِ وَسِحْرُ الثَّمَر

وَسِحْرُ الْمَسَاءِ الشَّجِيِّ الوَدِيعِ *** وَسِحْرُ الْمُرُوجِ الشَّهِيّ العَطِر

وَتَهْوِي الْغُصُونُ وَأَوْرَاقُـهَا *** وَأَزْهَـارُ عَهْدٍ حَبِيبٍ نَضِـر

وَتَلْهُو بِهَا الرِّيحُ في كُلِّ وَادٍ *** وَيَدْفنُـهَا السَّيْـلُ أنَّى عَـبَر

وَيَفْنَى الجَمِيعُ كَحُلْمٍ بَدِيـعٍ *** تَأَلَّـقَ في مُهْجَـةٍ وَانْدَثَـر

وَتَبْقَى البُـذُورُ التي حُمِّلَـتْ *** ذَخِيـرَةَ عُمْرٍ جَمِـيلٍ غَـبَر



وَذِكْرَى فُصُول ٍ ، وَرُؤْيَا حَيَاةٍ *** وَأَشْبَاح دُنْيَا تَلاشَتْ زُمَـر



مُعَانِقَـةً وَهْيَ تَحْـتَ الضَّبَابِ ***وَتَحْتَ الثُّلُوجِ وَتَحْـتَ الْمَدَر



لَطِيفَ الحَيَـاةِ الذي لا يُمَـلُّ *** وَقَلْبَ الرَّبِيعِ الشَّذِيِّ الخَضِر

وَحَالِمَـةً بِأَغَـانِـي الطُّيُـورِ *** وَعِطْرِ الزُّهُورِ وَطَعْمِ الثَّمَـر


"
ويًَمشيْ الزَّمانُ، فتنموْ صُروفٌ *** وتذْوي صُروفٌ، وتحْيا أُخَر

وتُصبح ُ أحلامُها يَقْظةً، *** مُوَشَّحةً بغُموضِ السَّحر

تُسائِلُ: أينَ ضَبابُ الصَّباحِ، *** وَسِحْرُ المساءِ؟ وضوْئُ القَمر؟

وَأسْرابُ ذاكَ الفَراشِ الأنيقِ؟ *** ونَحْلٌ يُغَنيْ، وغَيمٌ يَمُرّ

وأينَ الأشِعَّةُ والكائِناتُ؟ *** وأينَ الحياةُ الَّتي أنْتظِر

ظمِئتُ إلى النُّور، فوقَ الغُصونِ! *** ظمِئتُ إلى الظِلِّ تحْتَ الشَّجار!

ظَمِئتُ إلى النَّبْعِ، بَيْنَ المُروجِ *** يُغَنّين ويّرْقُصُ فَوْقَ الزّهَر!

ظَمِئتُ إلى نَغَمَتِ الطُّيورِ، *** وهَمسِ النَّسيم، ولَحْنِ المَطر!

ظَمِئتُ إلى الكونِ! أيْنَ الوُجودُ *** وأنَّي أرَى العالَمَ المنتظر

هو الكَوْنُ، خَلْفَ سُباتِ الجُمود *** وفي أثفُقِ اليَقَظاتِ الكُبَر"


وَمَا هُـوَ إِلاَّ كَخَفْـقِ الجَنَاحِ ***حَتَّـى نَمَا شَوْقُـهَا وَانْتَصَـر



فصدّعت الأرض من فوقـها *** وأبصرت الكون عذب الصور

وجـاءَ الربيـعُ بأنغامـه *** وأحلامـهِ وصِبـاهُ العطِـر



وقبلّـها قبـلاً في الشفـاه *** تعيد الشباب الذي قد غبـر



وقالَ لَهَا : قد مُنحـتِ الحياةَ *** وخُلّدتِ في نسلكِ الْمُدّخـر

وباركـكِ النـورُ فاستقبـلي *** شبابَ الحياةِ وخصبَ العُمر

ومن تعبـدُ النـورَ أحلامـهُ *** يباركهُ النـورُ أنّـى ظَهر



إليك الفضاء ، إليك الضيـاء *** إليك الثرى الحالِمِ الْمُزْدَهِر



إليك الجمال الذي لا يبيـد *** إليك الوجود الرحيب النضر



فميدي كما شئتِ فوق الحقول *** بِحلو الثمار وغـض الزهـر



وناجي النسيم وناجي الغيـوم *** وناجي النجوم وناجي القمـر



وناجـي الحيـاة وأشواقـها *** وفتنـة هذا الوجـود الأغـر




وشف الدجى عن جمال عميقٍ *** يشب الخيـال ويذكي الفكر



ومُدَّ عَلَى الْكَوْنِ سِحْرٌ غَرِيبٌ *** يُصَـرِّفُهُ سَـاحِـرٌ مُقْـتَدِر

وَضَاءَتْ شُمُوعُ النُّجُومِ الوِضَاء *** وَضَاعَ البَخُورُ ، بَخُورُ الزَّهَر

وَرَفْرَفَ رُوحٌ غَرِيبُ الجَمَالِ *** بِأَجْنِحَـةٍ مِنْ ضِيَاءِ الْقَمَـر

وَرَنَّ نَشِيدُ الْحَيَاةِ الْمُقَـدَّسِ *** في هَيْكَـلٍ حَالِمٍ قَدْ سُـحِر

وَأَعْلَنَ في الْكَوْنِ أَنَّ الطُّمُوحَ *** لَهِيبُ الْحَيَـاةِ وَرُوحُ الظَّفَـر

إِذَا طَمَحَتْ لِلْحَيَاةِ النُّفُوسُ *** فَلا بُدَّ أَنْ يَسْتَجِيبَ الْقَـدَرْ

(
الشاعر التونسي ابو القاسم الشابي)


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الإخوة / متصفحي موقع السبئي نت المحترمون
نحيطكم علماُ بان اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره.
مع تحيات "ادارة الموقع"