2010-10-20

قصة‏.. فاطمة علي العشبي

فاطمة علي العشبي
كان عمري بين الأربع والخمس سنوات، في صباح يوم جمعة من صيف عام .جدتي تطاردني في الشارع تحاول الإمساك بي، وإجباري على الاستحمام معها كعادتها كل يوم جمعة إلا أنني فلت من يديها مهرولة فأمطرتني بوابل من الحصى والشتائم فقررت الرحيل.
كنت ارتدي فستانا مصبوغا بالخلب (الطين المعجون بالماء) وكان شعري المنكوش شديد الكثافة والتشابك، لا اذكر متى آخر مرة اخترقته أسنان المشط لانتزاع تلك الشعابيط من جذورها لكأن رأسي كله ينتزع من قاعدته، وأنا بين أفخاذ من تقوم بهذه المهمة أفحر واستغيث وأحاول الفلات، غير أن الأفخاذ الفولاذية تلتف علىَّ كما لو أنها إخطبوط. هذه المرة هربي من الاستحمام والمشط والأفخاذ الأخطبوطية، حافية القدمين كان مؤكدا تسللت من القرية باتجاه الشمال والفستان الطيني والشعر المجنح في كل الاتجاهات. سوف أسافر إلى مكة المكرمة هناك خالي الذي لم أعرفه بل سمعت عنه.
جدتي التي دخلت تستحم وصوتها يتوعدني بالضرب لا تعرف إنني ذهبت بعيداً شيئاً ًفشيئاً تواريت عنها وعن قريتي وعن بيتنا المزدحم بالحركة و النساء الآلات اللواتي يقمن بالأشغال الشاقة من بزوغ الفجر حتى منتصف الليل، وأيضاً النساء المدللات زوجات والدي الأربع، والأكثرهن دلالاً (والدتي) التي مهنتها الوحيدة الحمل والولادة في كل عام كسائر البقر تلد مخلوقا جديداً تحتضنه وتقذف بالذي قبله إلى الشارع قبل أن يتعلم المشي خاصة الإناث لتلتقطهن جدتي الطيبة ذات الظهر المعطوف والحضن الذي يتسع لعشرات المنبوذين.
جدتي كانت أمي، أما أمي فكنت أناديها باسمها. أما والدي لم أكن أعرف عنه سوى أنه الجلاد الذي لا ينجو من سطوته أحد.
قررت الرحيل لا لأن جدتي قذفتني بالحصى وشتمتني وتوعدتني بالضرب فحسب بل وجدتها فرصة وذريعة للخلاص من كابوس يطاردني ليل نهار. الخوف، الرعب، اصفرار الوجوه وابيضاض الشفاه كلما زأر أسد القبيلة ووحشها الكاسر ترتجف القرية والشارع والبيت وأنا (الشيخ الشيخ) ومساعده (السيد) الطاغوت.
قبل فراري بيومين أو ثلاث كنت قد أقد مت على الانتحار دون علم أحد. رأيت السيد الطاغوت يسحق الزجاج ويضعه في الطعام ويجمع الكلاب لتأكل ذاك الطعام المخلوط بمسحوق الزجاج للتخلص منها إذ أن أعدادها تزايد وامتلأت القرية بالنباح والعض.
حينها قررت أن أموت بنفس الطريقة السهلة، طحنت الزجاج وابتلعته سفاً وامتلأ فمي بالدماء، وصعدت على شباك الدرج أتأمل القرية وأبكي. كنت أودع الأطفال بنظرات آسفة وأتمتم الآن سوف أموت وسيبكون علىَّ ويندمون كثيرا. وسوف يتجمع الأطفال حول قبري ويبكون ويتوِّيون وينزل المطر وتمتلئ المواجل بالماء ويسبحون. سوف أخرج من القبر وألعب معهم ولا يراني أبي ولا السيد، الآن سوف أموت غير أن الموت لم يأت انتظرته من العصر إلى أن غلبني النوم، وفي الصباح كنت العب في الشارع بالخلب وأتوجس وقع العصا على رأسي لو مر والدي ورآني.
في تلك الجمعة نلت حريتي على غفلة منهم، كنت ابتعد والقرية تختفي رويدا رويدا حينها شعرت لأول مرة أنني عصفورة تتمرن على القفز والطيران.
كنت أمشي قفزا وألاحق الفراشات على امتداد الطريق وارمي بالحجارة من صادفته من الأطفال الذين يرعون المواشي. في إحدى القرى التي مررت منها كان مورد الماء على الطريق التي أسلكها سألنني النسوة: بنت من أنت؟ قلت لهن: أنا بنت عبده مصلح، رجل فقير على باب الله، ومضيت.
خارج القرية صادفتني فتاة ترعى كباشها، قذفتها بحصاة، فهبت وبطشت بي ضربا، خفت وهربت، وعن بعد صرخت فيها وقلت سوف أشتكيك عند والدي الشيخ فلان، وسوف يأتيك العسكري ويقيدونك. لم تكن نعرف من هو الشيخ فلان ولا يهمها أمره البته. ظلت تشتمني وأنا اشتمها وأواصل طريقي، اختفى صوتها واختفى صوتي معي وراء الجبال التي حالت بيننا. المسافة
ملأت الفتاة العدوانية قلبي قهراً وحقداً عليها. لم أكن قد تعرضت للإهانة من أي طفل في القرية، الكل يخاف أن يضربني لأنني (بنت الشيخ) تلك الطفلة كسرت أنف كبريائي، يا لها من عدوة لدودة.
فكرت بالرجوع لأشتكيها عند والدي ليبعث العسكر لتأديبها لكنني لم أفعل واستمريت أمشي، حتى رأيت ثلاثة رجال أو أكثر يهرولون في الطريق باتجاه قريتنا، أعرفهم جيدا فهم دائما يتواجدون في الديوان الذي يمتلأ بالمتشارعين والمتصارعين على لا شيء (ديوان الشيخ) عرفوني وسألوني: أنت بنت الشيخ؟ أيوه، أجبتهم. لماذا أنت هنا، وأين ستذهبين؟ غلب دهائي غباؤهم وقلت لهم أرسلني والدي برسالة إلى الشيخ راجح، عمي، شقيق والدي. هاه، سمعتهم يسألون بعضهم البعض، لماذا لا يرسل عسكري أو أحد غيرها قلت لهم قولوا لوالدي يرسل عسكري للبنت التي ضربتني ويقيدها. قالوا: من هي؟ قلت لهم سوف تجدونها في الطريق ترعى الكباش. قالوا لي: سوف نضربها! ثم حذروني (أوبهي من الحيود، أمشي دلا دلا) قلت لهم: ناهي وتابعت الرحلة وفي قلبي وقيد من تلك البنت الشريرة، وحقد يتوهج عليها.
صار الوقت عصراً عندما وصلت إلى قرية صغيرة تسكن فيها جدتي (عمة والدي) لا أذكر كيف ألقت القبض علىَّ!!! أذكر فقط أنها أكلتني بيديها، ودهنت شعري بسليط الجلجلان (زيت السمسم) ومشَّطت شعري برفق، ودهنت جسدي كله بالهرد، ولبستني ثياب إحدى أصغر بناتها والتي هي أكبر مني بكثير، ولبستني مصر ومشقرتني وأنا مستسلمة للتدليل وللنوم معا. ولا أنفك أشتكي من تلك البنت والكل يوعدني بالانتقام منها.
صحوت بعد المغرب وأنا على ظهر أحدهم في الطريق إلى قريتنا. تشنجت وحاولت النزول من على ظهره.
ثلاثة رجال وامرأتان وفانوسان وأنا جلس الرجل الذي يحملني على ظهره، والتف الجميع حولي يقبلني ويعطونني الحلويات التي اشترتها لي جدتي (عمة والدي) سكر نبات ومشبك وتمر، قالوا لي مهدئين روعي والدك ووالدتك يبكون عليك يريدونك أن تعودي إليهم، قلت لهم على شرط: أن يرسل أبي العسكر يضربون البنت التي ضربتني!... قالوا: وهو كذلك، وتناوبوني يحملونني على الظهور صعودا وهبوطا باتجاه القرية.
الرجال الذين صادفتهم في الطريق وأخبرتهم أنني أحمل رسالة للشيخ من والدي، قالوا لوالدي وهو في المسجد يصلي الجمعة: يا شيخ وجدنا ابنتك في الطريق، ألم تجد من تبعث برسالتك للشيخ راجح سواها!!! لم يفهم في البداية ولكنهم ظلوا يعاتبونه حتى استوعب ما يريدون قوله، فجن جنونه، وبعث خلفي قافلة من الرجال والنساء.
كان الوقت يقترب من منتصف الليل عندما وصلت إلى البيت، وكانت القرية كلها تنتظر رجوعي بقلق بالغ لما سوف يواجهني من عقاب.
كان والدي قد خرج بنفسه إلى بستان الرمان واقتطع حزمة من الزعط (أسواط للجلد) تقطع الجلد ولا تنقطع.
أدخلتني إحدى النساء على ظهرها إلى غرفة والدتي، كانت والدتي رابطة لرأسها وملقاة على السرير، تئن من الصداع الذي سببته لها. نظرت إلىَّ نظرة شزراء ممزوجة بالعاطفة والحلويات في يدي وأنا أقرط النبات وأحانك أختي، أختي يتملكها الغيظ وتمط لسانها، وتقول: أبي قد جهز الزعط استعدي للجلد. الشواقي (الخادمات) يدخلن واحدة تلو الأخرى ويتهامسن (مسكينة، أبوها الليلة سوف يشرب من دمها) قدوا مثل الوحش الكاسر!... شعرت بالخطر وبدأ جسدي يرتعش ويتكور على بعضه، نسيت البنت التي ضربتني وبدأت أترقب دخول والدي من الديوان، لكأن أهوال يوم القيامة قد أنقضت على قلبي الصغير دفعة واحدة...
وهذا بيت الرعب اللعين تحول في عيني إلى غابة من سياط والسواطير كلها مصوبة على هذا الجسد المكوم في زاوية غرفة الأعدام لجسد الأرنب المفجوع. يللهول، الرعب يكبر ويتسع ويدور حول رأسي المزيت بسليط الجلجلان، والممشقر بالكاذي والهيتان والورد البلدي. والدي يهز الدرج ويزلزل الجدران بصوته الغاضب وينثرني شظايا وفتات.
ها هو الوحش يقترب مني وينزع ملابس لسلخ جلدي جيدا. حزمة الزعط على الأرض، يتناول أشدها فتكا ويبدأ بالسلخ من رأسي إلى أخمص قدمي بطناً وظهراً، لم يترك بقعة لم تنقشها وتفقشها (الزعطة)، وبعد أن يرى جسدي قد تحول إلى لحمة مدقوقة، يأخذني إلى حمام مهجور في اسفل بيت الرعب ويتركني في ظلام دامس ويقفل الباب ويذهب إلى العلى يرقد على سرير الراحة وينام قرير العين.
ظليت أبكي دون أن أرفع صوتي خوفا من استفزازه حتى لا يعود لضربي مرة أخرى، إلى أن خدرني النوم ولم اشعر بشيء. صحوت على صرخات والدتي والشواقي (الشغالات) الحنش فوقها الحنش فوقها، وشيء بارد يتسحب من فوقي إلى ثقب في جدار الحمام مخلفا ورائه نبضات قلبي التي ملأت الأرض بالصراخ واللعنات على هذه القرية وهذا البيت وأهله، وعلى المشايخ والثعابين...
وظل هذا العنف محفورا في قلبي وذاكرتي يردعني كلما فكرت بالهرب وحاولت فرد أجنحتي في فضاء الطفولة الآمنة! ولكن هيهات أن تنبت للعصافير أجنحة تحت مناقير الغربان، وفي أعشاشها الشائكة.
فاطمة علي العشبي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الإخوة / متصفحي موقع السبئي نت المحترمون
نحيطكم علماُ بان اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره.
مع تحيات "ادارة الموقع"