2010-07-11

عزاءُ الأعِزة.. في أرضِ غزة

للشاعر/ طارق عبد السلام كرمان:
نقلامن26ايلول
خلِيْلَتَيَّ ابْكِيا بالأدمُعِ السُرُبِ 
معي وُقُوفاً على الأطلالِ والخِرَبِ
لمنزِلٍ كان معموراً ومُزدهـــراً
بالابتساماتِ والأحلامِ والصخَبِ
وذاتَ طرفَةِ عينٍ منـــــهُ غافلةٍ
أخْنَت عليه رياحُ الحِقدِ لا الحِقَبِ
ترَكْتُ أهلي بهِ ظَمئى، لأَنشُدَ من
جيرانِنا الماءَ أو شيئاَ مِنَ الحَلَبِ
وعُدتُ أسقيهُمُ مَوتى قدِ اختَلَطَتْ
أشلاؤهم فيه بالأحجارِ والخَشَبِ
خلَيــــــلَتَيّ أعينـــاني أُفَتّشُه
عَن صدرِ أُمّي، يَدَيْ أُختي..ووجهِ أبي
وعانِقاني بقايــــــا أُسرَةٍ فَنِيَتْ
على يدَيْ شرّ طاغوتٍ ومُغتَصبِ
ففيكِ يا قطّتي ذِكراهُمُ اخْتُزِلَت
وأنتِ يا دُميتي ما ظَلّ من لُعَبي
وتِلكَ من قِصصِ المأساة واحدةٌ
وكُربَةٌ بينَ آلافٍ من الكُرَبِ
كم ألفِ طفلٍ سواي اليوم قد طرَدَت
منهُ البراءةَ نارُ الكُرهِ والغَضَبِ
وأُسرةٍ غيرِنا لم يبْقَ ذو رَحِمٍ
لها، يُعَزّى عليها أو أخو نسَبِ
وفوقَ عشِرينَ ألفاً مِثل منزِلنا
أمسى ذووه بلا سقفٍ ولا أُهُبِ
وفَوقَ ألفِ شهيدٍ أبرياءَ قضَوْا
وفوْق خمسةِ آلافٍ ذوي نَدَبِ
لا راكبين على خيلِ القتال ولا
مُدجّجين بنُشّابٍ ولا يـــــلَبِ
في مشهدٍ ظاهرِ الإرهابِ دارَ على
مرئى وسمعِ شعوبِ الأرض عن كَثَبِ
بأرضِ غزّةَ في أيام محرقةٍ
ما بين جَيْشَيْنِ من نارٍ ومن حطَبِ
بَرّاً وجَوّاً وبَحراً حولَنا اضطَرَمَتْ
يورانيومــاً وفوسفوراً ذوا شَبَبِ
قنابلاً تقتُلُ الأحياء رِيحَتُها 
وإن أصـاب لظاها صخرةً تَذُبِ
من طائراتٍ سدَدْنَ الأُفْقَ عن نَظَرٍ
وبارِجاتٍ صدَدْنَ الموجَ عن عَبَبِ
 وألفِ دبّابـــــةٍ بالبَرّ مطبَقةٍ
حتّى منَعْنَ هبــوبَ الأربعِ النُكُبِ
فابْيَضّ كُلّ مساءٍ.. ليسَ مِن شُهُبٍ
واسْودّ كُل صباحٍ.. ليسَ مِن سُحُبِ
وكُلُّ هذا لِماذا؟ رُحْتُ أسألُهم
قالوا بسُخريَةٍ منّي بــــــلا أدَبِ:
(من أجْلِ ردْعِ صواريخٍ تُقاوِمُنا
مصنوعَةٍ من مواسيرٍ ومِن عُلَبِ)!
فلا استطاعوا لها ردعاً كما زعَموا
كلاّ، ولا انتصروا.. إلا على لُعَبي
وما أطاقوا قِتالاً من رِجالَتِنا
لدى مُواجهةٍ بالسُمرِ والقُضُبِ
فأفرَغوا غَيْظَهم من طائراتِهِمُ
على القَواريرِ والأطفالِ والشُيُبِ
وإذ يقولون أن الحربَ قد وضعَت
أوزارَها وهْيَ لم تُوضَعْ ولم تَتُبِ
فلَمْ تزَلْ غَزةٌ منهم محاصَرةً
بينَ الكتائبِ والأسوارِ والحُجُبِ
ولم يزَلْ أهلُها تحتَ الحصارِ لهم
موتٌ بطيءٌ بقَصفِ الجُوعِ والوَصَبِ
وكُلُّ طُرْقِ رحاةِ الحربِ طاحنـــةٌ
سِيّانِ بالرَوْدِ مجراها أمِ الخَبَبِ
فمـــا لَهُم ولأَِنفَاقٍ إذا حُفِرَت
تحتَ المعابرِ للإمدادِ لا الهرَبِ
فليدفنوها إذا اسطاعوا فإنّ لنا
عبرَ السماءِ دروباً لسنَ بالصعُبِ
إلى حِمى ملِكٍ فوقَ الملوكِ إذا
هُمْ خيّبونا قصدناهُ فــــلم نخِبِ
وإذ بذَنْبِ حماسٍ غزةٌ أُخِذَتْ
كما يقولون للتضليـلِ والكذبِ
فَسَلْ جِنينَ وديرْ ياسينَ..أُحرِقَتَا
بأيّ ذنبٍ من السُّكّانِ مُرتَكَبِ
سَلِ الخَليلَ ورامَ الله هَل نَجَتَا
يوماً من القتلِ والتخريبِ والثَغَبِ
وبيتَ لحمِ الّتي عَزّتْ مساجدُها
كنيسَةَ المهدِ تبكي حُرمةَ الصُلُبِ
سَلْ في الشتاتِ ملاييناً مُشرّدةً
من دُورِها وقُراها فيمَ لم تؤُبِ
واسألْ ألوفاً من الأسرى وقَدْ حُرِموا 
من كلّ حقِّ من القانونِ مُكْتَسَبِ
سَلِ الشهيدَ أباعمّارْ كيفَ قضى
وكَيفَ ردّوا عليهِ السِلْمَ بالسَلَبِ
هذي حقيقةُ إسرائيل.. ليسَ لها
إلا إبادةُ هذا الشعبِ من أرَبِ
ومنذُ ستين عاماً قَطُّ ما برِحت
عليه بالظُلمِ والإرهابِ في دأَبِ
وما حَماسُ سوى إحدى الفصائلِ من
شَعبٍ بِعَيْنِ عصاها غيرِ ذي شُعَبِ
لكنّ معرَكةَ الفُرقانِ قد فَرَقتْ
للعالَمِ الحُرّ بينَ الصدقِ والكذبِ
أما رأيتَ شعوبَ الأرض إذ خرَجَتْ
مع القضيةِ من عُجمٍ ومن عرَبِ
حتى اليهودُ "الحقيقيّونَ" ما اختَلَفوا
فيها مع اللهِ والأديانِ والكُتبِ
أَنّ القَضيّـــةَ إنسانيّةٌ ولــــها
حَقٌّ على كلِّ ذي قلبِ وذي عَصَبِ
وأنّ من حقّنـــا فيـــها مُقاومَةٌ
حتّى التَّحُرّرِ من مُحتَلّنا الجُنُبِ
وأنّ دَعوى بني صهيون باطِلةٌ
لمّا تداعَوا لها في الأرضِ بالألَبِ
وأنّ قتلَ صبيٍّ لا يُــــــعدّ لهم
عاراً وكَم قتَـــلوا للهِ قبْلُ نبِي
وأنّ "هِتلَرَ" ما أبْقى حُثالَتَهم
إلاّ ليَسْلَمَ في التأريخِ من عَتَبِ
 بئسَ الكِلابُ بنو صهيون نابِحةً
والنابِحونَ لهم في العُرْبِ بالكَلَبِ
من كُلّ ذي مَنصِبٍ زاهٍ يُعامِلُهم
بــــــهِ عمالَةَ مندوبٍ لمنتَدِبِ
مُتاجِرٍ بدِماء الأبريــــــاءِ إلى
مكاسِبٍ.. فوقَ دبّاباتِهِم رُغُبِ
فباتَ أعدى علينا من عداوتهم
وصارَ أدنى لأدناهم.. منَ الذنَبِ
فمِثلُهُ ابنُ أُبَيٍّ في مُنَـــــــافَقَةٍ
ومثلُهُ في مُعاداةٍ أبـــــو لَهَبِ
تبّت يداه وأيديهم بما اجتَمعت
عليه ضدّ فلسطينٍ فلَم تُصِبِ
فَبَعْدَ أن عجِزَت عن سَوْقِنا ذُلُلاً
بالهدمِ مَدّت لنا الإعمار للجَلَبِ
من لا يساومُ تحتَ النارِ عن رَهَبٍ
فلا يُساومُ فَوْقَ الوردِ عن رَغَبِ
ولن نُحاورَ أنياباً تُحاصرُنـــا
ولن نرُدّ أكُفَّ الجَمرِ بالرُطَبِ
فحَاصِرونا كما شِئتُم ولن تجِدوا
مِنّا على اللهبِ المُلقى سوى اللهَبِ
ستَتعبونَ حصاراً حولَ أعمِدةٍ
لا ترفعُ الرايةَ البيضاءَ من تَعَبِ
من نسلِ كنعانَ جَبّارينَ ما برِحوا
كما وصَفتُم لموسى قبلُ في النقَبِ
الشاربينَ سراباً إنْ هُمُ ظمئوا
والآكلين تُراباً ساعة السَغَبِ
إن كان فيهم لكُم قتلى بأسلِحةٍ
على الأسِرّةِ في الساحات.. في العِزَبِ
ففي ملاجئكم خلفَ الحصونِ، لهم
إن هدّدوا يسقُطُ القتــــلى من الرُعُبِ
صهيون.. فلْتتّقوا حتّى مقابِرَهُم
ولْتأخُذوا حِذرَكَم من طينِـــــهَا اللزِبِ
إذ تحتَهُنّ بُذورُ النصرِ موشِكةٌ
يُنبِتنَ كالتينِ والزيتــونِ والعِنَبِ
فاكتُبْ على صفَحاتِ العِزّ ملــــحمةً
من الصمودِ أيا تأريخُ بــالذهَبِ
عنْ كُلّ عائلةٍ يومَ الوغى دُعِيَتْ
إلى الهروبِ لكَي تنجو فلم تُجِبِ
وعَن لؤيّ الذي لم تجْرِ أدمُعُهُ
حُزْناً على ضوءِ عينَيهِ ولم يهَبِ
وعن جميلةَ أمسَت دونَ أرجُلِها
تسعى إلى الأمَلِ المنشودِ في عَجَبِ
وعَفّةٍ من نساءِ الحَيّ طاهرةٍ
ثكلى لخمسةِ أولادٍ لـــــها نُجُبِ
لم يُنسِها الجُرحُ حتى أن تُداريَ عن
جسمٍ من الدمِ لا الحِنّاءِ مُختَضِبِ
وعَوْدِ طُلابِ علمٍ في مدارسِهِم
مهدومةً غيرَ مهدومينَ عن طلَبِ
بمِثْلِ ذاكَ أولاءِ القومُ قد قهَرُوا
طُغيانَ شرّ وأعتى جحفَلٍ لَجِبِ
وأرجَعُوهم على الأعقابِ لم يجِدوا
خيراً وما في أياديهم سوى التبَبِ
وما غدا قولَُهم فوق الــركامِ سوى:
الحمدُ للهِ.. هذي غايــــةُ الغَلَبِ
لا ضَيْرَ إن جثَمَت هدماً مرابِعُنا
وقَدْ وقفنا ولم نجثُم على الرُكَبِ
وما فِلسطينُ إلا شعبُها فــــــإذا
هُدَّتْ وظَلّ فما في ذاكَ مِن تَرَبِ
وما المآذِنُ إلا للأذانِ فــــــإن
هُدَّتْ ودوّى فصوتُ الحق لم يغِبِ
وما المساجِدُ إلا للصلاةِ فـــإن
هُدَّتْ وصُلّيَ فالإسلام لم يُعَبِ
وإنّ أسمى مقامات السجودِ إذا
علَتْ رؤوسُ المُصلّينا على القُبَبِ
وسوفَ تبقى فلسطينُ الكريمةُ ما دامَ الصمودُ الفلسطينيُّ لم يُصَبِ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الإخوة / متصفحي موقع السبئي نت المحترمون
نحيطكم علماُ بان اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره.
مع تحيات "ادارة الموقع"